التجارة

لم تؤدِّ التجارة حتى الآن دورها المرتقب في تعزيز النمو والتنمية المستدامين في المنطقة العربية مقارنةً بمناطق أخرى في العالم. ولا يزال الطريق طويلاً أمام غالبية الدول العربية  لتطوير البنية التحتية واللوجستية للتجارة وحصد فوائد  التجارة فى الخدمات والتجارة الرقمية.

 

وفي الوقت الذي تبنّت فيه بعض الدول العربية سياسات تجارية منفتحة مع مؤشّر انفتاح تجاري (يقاس كمعدّل إجمالي التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي) و بلغ أكثر من 163% في الإمارات العربية المتحدة (130% للسلع و33% للخدمات) و214% في الصومال (98% للسلع و116% للخدمات)، فإنّ دولاً أخرى بقيت منغلقة نسبياً مع معدّل بلغ حوالي 32% في السودان (26% للسلع و6% للخدمات). وفي حين سجّل الإنفتاح التجاري العالمي نسبة 58% في عام ٢٠١٨[1]، فإنّ   المقارنة مع التجمعات الإقليمية الأخرى من خلال الإعتماد على المتوسط الإقليمي أمر مضلّل لأنّ المؤشّر يتأثّر بشدّة بحجم الإقتصادات ويأخذ بعين الإعتبار تجارة السلع والخدمات. و في المنطقة العربية، تشكّل تجارة السلع، لاسيما النفط، نسبة كبيرة من مؤشّر الانفتاح التجاري، في حين تلعب الخدمات دوراً محدوداً. وتبلغ نسبة الإنفتاح التجاري في المنطقة العربية 87%، غير أنّه كان من المفترض أن يكون المؤشر أعلى من ذلك نظراً لصغر حجم الاقتصادات العربية.

 

وتتأثّر التجارة في المنطقة العربية بشكلٍ كبير بسوق النفط، حيث تشكّل صادرات النفط  فى المتوسّط 65% من إجمالي صادرات السلع مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 13%.[2] و جميع الدول العربية هي بلدان مستوردة صافية للأغذية على الرغم من أنّ الواردات الغذائية لا تشكّل سوى 12% من إجمالي الواردات، مقارنة بالمتوسط العالمي البالغ 8%[2]. وعلى الرغم من الإمكانيات الكامنة والغير المستغلّة التي تمتلكها البلدان العربية في مجال تجارة الخدمات (مثل السياحة والنقل)، فإنّ تجارة الخدمات لم تشكّل حصّة كبيرة من تجارتها. وتشير الاحصاءات إلى أنّ تجارة السلع كانت مهيمنة فى معظم الدول العربية كما هو موضّح أعلاه وفقاً لمؤشرات الانفتاح التجاري.  والدول العربية ليست منخرطة بشكلٍ كبير في سلاسل القيمة العالمية[3]. كما أن الإندماج المحدود للاقتصادات العربية في سلسلة القيمة العالمية (والذي يقاس بشكل أساسي بالتبادل التجاري في السلع الوسيطة)[4]، والغياب النسبي لسلسلة قيمة إقليمية عربية، يدعو إلى ضرورة إعتماد نظام جديد في ضوء تعطّل سلاسل القيمة العالمية نتيجة لتأثير جائحة كوفيد19-.

 

تنتسب البلدان العربية إلى عضوية العديد من اتفاقيات التجارة التفضيلية (PTAs)، سواء فيما بينها (على سبيل المثال منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى، إتفاقية أغادير، مجلس التعاون الخليجي، إتحاد المغرب العربي) أو مع البلدان المتقدّمة والنامية والمجموعات الإقليمية (على سبيل المثال الإتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة، وكندا، والسوق المشتركة لشرق أفريقيا والجنوب الأفريقي COMESA، والسوق المشتركة لبلدان المخروط الجنوبي MERCOSUR)[5]. وفي هذا الصدد، هناك تفاوت كبير بين البلدان العربية، حيث أن الأردن، على سبيل المثال، عضو في عدد كبير من إتفاقيات التجارة التفضيلية مقارنة بجزر القمر واليمن التي تشارك بعدد قليل جدًا من هذه الإتفاقيات. ورغم ذلك، فإنّ أغلب هذه الاتفاقيات ظلّت مقتصرة على إزالة التعريفات الجمركية، ولم تتعامل مع قضايا التدابير القائمة وراء الحدود. وهذا يمكن أن يفسّر الدور المحدود لإتفاقيات التجارة التفضيلية في تعزيز التجارة بين الدول العربية.

 

ومن المرجّح أن تؤدّي الآثار الاقتصادية والاجتماعية لجائحة ـكوفيد-19، والأزمة الاقتصادية العالمية الأخيرة، إلى الحدّ من دور التجارة في المنطقة العربية، لاسيما بسبب ضعف تأثيرها على الطلب على النفط، ولكن أيضًا لأسباب تتعلّق بتدابير الإغلاق والتباطؤ في التجارة نتيجة الركود الإقتصادي العالمي. وعلى الرغم من أنّ البلدان العربية هي بلدان مستوردة صافية للأغذية، فإنّ اضطراب الأسواق العالمية يؤثّر سلبًا على صناعاتها المحليّة. فعلى سبيل المثال، ونتيجة لتعطّل الأسواق العالمية، فرضت مصر حظراً على واردات السكّر الأبيض والسكّر الخام لمدّة ثلاثة أشهر بدءاً من 6 حزيران 2020[6]. والأسباب التي أعلنتها وزيرة التجارة والصناعة هي إنخفاض الأسعار العالمية (بسبب كوفيد-19) التي أثرّت سلباً على الصناعة المحليّة. هذا على الرغم من كون مصر مستورد صافٍ للسكّر. ومن المرجّح أن تحذو دول أخرى حذوها باتّخاذ تدابير حماية تجارية مخصّصة مستوحاة من التقلّبات المستمرة في الأسواق العالمية.

 

وبالإضافة إلى عدم الإستقرار الذي يحيط تجارة السلع في البلدان العربية، فإنّ تجارة الخدمات هي أيضاً عرضة لتأثير سلبي. تتعرّض السياحة مثلاً، والتي تعدّ نشاطاً اقتصادياً رئيسياً في عدد من الدول العربية، لضربات قاسية[7]. فالسياحة مصدر رئيسي للعملات الأجنبية والعمالة لعدد كبير من الدول العربية بما فيها[8] المملكة العربية السعودية (موسم الحج والعمرة)؛ والمغرب وتونس ومصر والإمارات العربية المتحدة ولبنان (أنواع مختلفة من السياحة). ووفقاً لأحدث البيانات المتاحة، مثّلت السياحة حوالي 4،5% من الناتج المحلي الإجمالي في المنطقة العربية، ووفّرت 4.5 مليون فرصة عمل (7% من إجمالي العمالة في عام 2011).[9]

 

ومن المهمّ التأكيد على أنّ البلدان العربية بحاجة إلى الاستثمار في لوجستيات التجارة. إذ تفيد المؤشرات المتاحة (مثل مؤشر التبادل التجاري عبر الحدود في تقرير Doing Business "ممارسة أنشطة الأعمال"[10]) أنّ الدول العربية أمامها طريق طويل لإصلاح نظمها التجارية القائمة. وقد وضع مؤشر "ممارسة الأعمال" الدول العربية كمعدّل متوسطي في المرتبة 121 من إجمالي 190 دولة في جميع أنحاء العالم، في حين صنّفت ثلاث دول عربية من بين أسوأ خمس دول من حيث الأداء عالمياً. وعند التركيز على المؤشر المرتبط بالتجارة على وجه التحديد، لاسيما التجارة عبر الحدود، فإنّ الترتيب يتراجع إلى 131 في المتوسط بين 190 دولة في مختلف أنحاء العالم مع تصنيف دولتين عربيتين من بين أسوأ خمس دول من حيث الأداء. [11]

 

ويتعيّن على الدول العربية أن تولي المزيد من الاهتمام للتجارة الرقمية نظراً للدور المتوقّع الذي من المرجّح أن تلعبه في فترة ما بعد جائحة كوفيد-19. وتُظهِر البيانات الحالية، مثل إستخدام تكنولوجيا المعلومات والإتصالات في مؤشر المعاملات فيما بين المنشآت التجارية، أنّ البلدان العربية في وضع وسطيّ نسبياً بالمقارنةً مع بقية العالم[12]، ولكن هناك حاجة إلى بذل جهود إضافية لرفع مستوى الخدمات ذات الصلة (لا تزال هناك حاجة للبنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات المالية الرقمية)[13] لضمان الجهوزية للتجارة الإلكترونية.

 

 

تمّ تحديث هذه اللمحة العامة  استنادًا إلى أحدث البيانات المتاحة في حزيران/يونيو 2020.

المصادر:
[1] مؤتمر الأمم المتحدة حول التجارة والتنمية. 2020. [أونلاين]  متوفر على: https://unctadstat.unctad.org/EN/ [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[2]  البنك الدولي. 2020. مؤشرات التنمية العالمية]اونلاين]  متوفر على: https://data.worldbank.org/indicator/TX.VAL.FUEL.ZS.UN [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[3] لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا (الإسكوا). 2017.  النقل والاتصال بسلاسل القيمة العالمية: أمثلة من المنطقة العربية. [اونلاين]  متوفر على: https://www.unescwa.org/publications/transport-connectivity-global-value-chains
[تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[4] منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية(OECD). 2015. مشاركة البلدان النامية في سلاسل القيمة العالمية: تبعات السياسات التجارية والسياسات المتعلقة بالتجارة. [اونلاين]  متوفر على:
https://www.oecd.org/countries/gabon/ParticipationDeveloping-Countries-GVCs-Summary-Paper-April-2015.pdf  [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[5] البنك الدولي. 2020. بيانات التنمية العالمية. ]اونلاين] متوفر على: https://wits.worldbank.org/gptad/database_search_results.aspx [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[6] أخبار EG24. كيف يؤثر الحظر على استيراد السكر على الشركات المحلية وأسعار السوق؟ ]اونلاين] متوفر على: https://www.eg24.news/2020/06/how-does-the-ban-on-importing-sugar-affect-local-companies-and-market-prices.html# [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[7] رباح أرزقي و ها نغوين. 2020. فيروس كورونا المستجد يضرب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عبر قنوات متعددة)، في كتاب من تحرير ريتشارد بالدوين وبياتريس دي ماورو تحت عنوان: لاقتصاد في زمن فيروس كورونا المستجد"، صادر عن منظمة VoxEU.org. منشورات مركز البحوث الاقتصادية والسياسية (CEPR). ]اونلاين] متوفر على: https://voxeu.org/content/economics-time-covid-19-0 [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[8] المنتدى الاقتصادي العالمي. 2019. تقرير التنافسية في السفر والسياحة لعام 2019. ]اونلاين] متوفر على: https://reports.weforum.org/travel-and-tourism-competitiveness-report-2019/regional-profiles/middle-east-and-north-africa/ [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020]. وأيضاً البنك الدولي. 2013. السياحة في العالم العربي قد تعني أكثر من مجرد الشمس والرمال والشواطئ]اونلاين] متوفر على: https://www.worldbank.org/en/news/feature/2013/02/11/tourism-in-the-arab-world-can-mean-more-than-sun-sand-and-beaches [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[9] رباح أرزقي و ها نغوين (2020). المرجع السابق.
[10] البنك الدولي. 2020. تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2020. ]اونلاين] متوفر على: https://www.doingbusiness.org/en/rankings [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[11] البنك الدولي. 2019. تقرير ممارسة أنشطة الأعمال 2019. ]اونلاين] متوفر على: https://www.doingbusiness.org/content/dam/doingBusiness/media/Profiles/Regional/DB2019/Arab-World.pdf [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[12] البنك الدولي. 2016. استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات للمعاملات بين الشركات، 1-7 (الأفضل)]اونلاين] متوفر على: https://tcdata360.worldbank.org/indicators/hf0d27aa9?country=DZA&indicator=3443&countries=BRA&viz=line_chart&years=2013,2016 [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].
[13] المنتدى الاقتصادي العالمي. 2016. تقرير تكنولوجيا المعلومات العالمي. ]اونلاين] متوفر على: http://www3.weforum.org/docs/GITR2016/WEF_GITR_Full_Report.pdf [تم الدخول 29 حزيران/يونيو 2020].



اللمحة الإحصائية 2018، التجارة
عرض الكل

أبرز البيانات

  • تعتبر المنطقة العربية غنية على نحو استثنائي بالنفط والغاز، وقد أدّى مستوى التنويع الاقتصادي المنخفض نسبيًا إلى اعتمادٍ متواصلٍ على هذه السلع للنمو. إذ تشكّل صادرات الوقود الغالبية العظمى من الصادرات في البلدان المنتجِة للنفط، أي بنسبة 82% من تجارة المنطقة.

عرض الكل

الإصدارات