كيف تؤثر البطالة وظروف التوظيف على صحة الشباب في البلدان العربية فى ضوء نتائج تقرير التنمية الانسانية العربية؟

أحمد رشاد, 20 أبريل/نيسان 2017
أحمد رشاد

ظهر حديثًا تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2016 بعنوان "الشباب وآفاق التنمية الإنسانية في واقع متغير". أشار التقرير إلى عدة حقائق هامة يمكن ربطها ببعض ووضعها في إطار واحد للوصول إلى نتائج جديدة. أولاً، أنّ عدد السكان في المنطقة العربية يتزايد بسرعة، كما وأنّ نسبة الشباب من الفئة العمرية بين 15-29 من السكان تقارب الـ 60% وهي الأعلى في العالم.

 

ثانيًا، تشكّل بطالة الشباب في المنطقة العربية إحدى أكبر التحديات. ففي عام 2014، بلغت نسبة البطالة بين الشباب حوالي 30%، حيث تمثل هذه النسبة ضعف المتوسط العالمي. حسب تقرير التنمية الإنسانية العربية، يعاني نصف الشباب في بعض البلدان العربية فترة بطالة تتجاوز سنة كاملة حتى إيجاد عمل. كما يشير التقرير أن خريجي الجامعات في المنطقة العربية يضطرون للعمل في القطاع غير الرسمي بأجور منخفضة وفي شروط عمل سيئة. ويشير أيضًا إلى أنّ الواسطة تلعب دور كبير في الحصول على وظيفة ما يعطي شباب العائلات النافذة أفضلية على زملائهم مما يقوض فكرة العدالة الاجتماعية.

 

ثالثًا، أشار التقرير إلى ارتفاع معدلات التدخين وتعاطي مواد الإدمان والكحول بين الشباب. فعلى سبيل المثال، ارتفع معدل عبء المرض المرتبط بتعاطي المخدرات والاضطرابات النفسية فى البلدان العربية من 4% فى عام 1990 إلى 7% فى عام 2013(1)، حيث ينصح التقرير برفع الضرائب على التبغ والتحذير من أخطاره.

 

وأخيرًا وليس آخرًا، أشار التقرير إلى قضايا الصحة النفسية بين الشباب. على سبيل المثال، أوضح أن معدلات أعراض الإكتئاب بين طلاب المدارس بين 14-20 سنة في سلطنة عمان تصل إلى 19% بين الفتيات و15% بين الذكور. أما فى لبنان، فنجد أن الإحساس بالسعادة بين الشباب (تحت سن الـ 29) مرتبط بالحالة الوظيفية. فالشباب الذين يعملون بداوم كامل أكثر سعادة من العاطلين عن العمل أو الشباب الذين يعملون بدوام غير كامل والعكس صحيح أيضًا.

 

happiness_by_youth.png

المصدر: مسح القيم العالمية لعام 2014

 

فإذا وضعنا تلك الحقائق جنبًا إلى جنب نجد أنّ انتشار التدخين وتعاطي مواد الإدمان وازدياد معدلات الاكتئاب بين الشباب وغيرها من الجوانب الصحية الأخرى مرتبطة إرتباطًا وثيقًا بظروف سوق العمل وظروف التوظيف. والمقصود هنا بشروط وبيئة سوق العمل والتوظيف ليس فقط من حيث إيجاد فرصة عمل تؤمن دخلًا، بل أيضًا الأمان الوظيفي ومستوى الأجور وبيئة العمل في القطاع الرسمي والتأمينات الاجتماعية والتأمين الصحي. فإذا نظرنا إلى العلاقة بين البطالة وصحة الفرد، نجد أن البطالة لها أثار سلبية عديدة على صحة الانسان. وهذا ناجم عن أن التوظف لا يوفر فقط للفرد فرصة الحصول على دخل مناسب ولكن له عوائد غير مادية أيضًا، مثل المكانة الإجتماعية وتحقيق الذات وتنظيم الوقت، وبالتالي فإن خسارة الوظيفة والتعطل لفترات طويلة لا يعنى فقط خسارة مصدر رزق بل أيضًا ما تصاحبه هذه الخسارة من ضغوط نفسية واجتماعية هائلة على مستوى الفرد وعلى مستوى الأسرة وما لها من أثار سلبية على الصحة النفسية. كما يمثل التعطل عن العمل خسارة أيضًا لتلك المزايا غير المادية مما قد يسبب الإحباط والإكتئاب على مستوى الفرد و الأسرة. فعلى سبيل المثال، وجدت دارسة حديثة في المانيا أنّ أثر خسارة الوظيفة له تأثير سلبي قوي ليس فقط على الصحة النفسية للعامل بل له أثر مشابه على الزوجة(2). وإذا نظرنا إلى العاملين في القطاع غير الرسمي والذي يقصده معظم الشباب في المنطقة العربية كخيار لا مهرب منه كما أشار التقرير، فإنهم يعانون من انعدام الأمان الوظيفي وتحت تهديد مستمر بالفصل من العمل. وهذا الإحساس المستمر لإمكانية الفصل من العمل يؤدي إلى شعور مستمر بالقلق والإنزعاج والذي قد يدفع الأفراد للجوء إلى التدخين وإدمان الكحول والمخدرات للتكيف مع الضغط النفسي الناتج عن غياب الأمان الوظيفي (3).

 

في ضوء تلك الحقائق التي قدمها تقرير التنمية الإنسانية العربية الأخير عن التعطل وظروف التوظف في المنطقة العربية، يمكن القول أن تحسين الصحة النفسية ومكافحة التدخين والإدمان لا يقتصر على السياسات الصحية المباشرة من القطاع الصحي فقط، مثل رفع الضرائب على التدخين كما تتضمن التقرير، بل يجب أن تشمل أيضًا تدخلات من خارج القطاع الصحي مثل تحسين شروط العمل وخفض نسبة البطالة. 

 

المراجع

 

  1. Mokdad AH, Forouzanfar MH, Daoud F, Mokdad AA, El Bcheraoui C, Moradi-Lakeh M, et al. Global burden of diseases, injuries, and risk factors for young people's health during 1990–2013: a systematic analysis for the Global Burden of Disease Study 2013. The Lancet. 2016.
  2. Marcus J. The effect of unemployment on the mental health of spouses–Evidence from plant closures in Germany. Journal of Health Economics. 2013;32(3):546-58.
  3. Jung Y, Oh J, Huh S, Kawachi I. The Effects of Employment Conditions on Smoking Status and Smoking Intensity: The Analysis of Korean Labor & Income Panel 8 th–10 th Wave. PloS one. 2013;8(2):e57109.

 


أحمد رشاد باحث في اقتصاديات التنمية، اقتصاديات الصحة، والاقتصاد القياسي التطبيقي. حاصل على درجة الدكتوراه في التنمية الاقتصادية وعدم المساواة الاجتماعية والاقتصادية في الصحة.

 


إنّ كافة الآراء الواردة في المدونة تعبر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة عن رأي البوابة العربية للتنمية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.

  • نرجو منك الدخول أولا لنشر تعليقاتك
التصنيف: 
0
لا يوجد أي تعليق حاليا

الأكثر قراءة

أحدث التعليقات

  • لا يوجد أي تعليق.